طبيب النفوس (14)
(مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ) (214/1)
تتولّد من التراتبيات في العائلة والمجتمع والمؤسسات وغيرها جملة من التكوّنات النفسية والسلوكية في مجمل الطبقات سواءً كانوا سادةً أو مَسُودين إلى أن تترسخ في الذهنية العامة كحقيقة يجب وجودُها، ويتعاظم البعد النفسي بين المراتب لتصل إلى حدّ النّفاق الاجتماعي كما أورد ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى خُطبه ( وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ).
في العبارة المتصدرة يُبيّن عليه السلام واحداً من أبرز التغيّرات النفسية والسلوكية التي يجلبها المنصبُ لصاحبه وهو حبُّ سماع الثناء عوضاً عن سماع كلمة الحقّ والنصيحة وابتغاء التشريف دون التكليف، ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾.
المعادلة التي أوردها عليه السلام عامّة تشمل كل من يعتلي رأس الهرم أكان أباً أم وجيهاً في قومه أم ذا منصبٍ دينيٍّ أم دنيويّ، من يستثقل أن يسمع توجيهات من هم دونه في الرتبة لابدّ أنه يستثقل تطبيقه العدالة على غيره وعلى نفسه.
التكبّر داءٌ له أسباب من أهمها العلم كما في قصة بلعم بن باعوراء، وربما يكون السبب المال كما في قصة قارون، وكذلك قد يكون المنصب كما في قصة فرعون، وقد يكون الجاه المجرد كما في قصص الملأ في أقوام الأنبياء. التكبّر منع كل هؤلاء من تطبيق العدالة والحق على الناس وعلى أنفسهم كما منعهم لاحقاً من الاستماع إلى رسالات الأنبياء.
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلَا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا).
رمضانكم عَلوي
محمد حسن يوسف
١٤ رمضان ١٤٤٧





