طبيب النفوس (15)

محمد حسن يوسف

 (رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْ‏ءَ فَلَا تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ) (31/2)

كثيراً ما يُتساءل لماذا ندعو ولا يُستجاب لنا؟ وهل يُعقل أنّ نصف مليار شيعي يدعون بالفرج ولا من مُجيب؟ هل من المعقول أن لا يوجَد واحدٌ من أمة الملياري مسلم يستحقّ أن يُجاب؟ وإذا كان الله موجوداً كيف يرىٰ ما يرىٰ دون أن يُحرِّك ساكناً رغم توسّلنا وتضرّعنا؟... وهكذا إلى أن تصل الأسئلة إما إلى القنوط أو إلى الإلحاد - والعياذ بالله - .

في وصية أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام نجدُ الجواب بعد أن سبقه بنهي عن القنوط (فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ) ولحقه بعلم الله بالغيب وتقديره مصلحة السائل (فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ). تأخّر الإجابة أو عدم تحقّقها ليسا دليلين على عدم قبول الدعاء أو عدم استحقاق الإجابة بل ربّما تقرّبان السائل إلى البارئ عزّ وجل أكثر.

الطرح الإرجائي والجبري الخاوي الذي كثيراً ما يُطرح على بعض المنابر والمنصّات أوجد سقماً روحيّاَ "يشتكي شدّة الضعف لدى أضعف شدة". التعلّق المجرّد بالآية الكريمة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ دون فهم مايجب أن تكون عليه العلاقة بين العبد وربّه، وسرد الروايات المُجتَزأة وحرفها عن سياقِها لتوجيه أصابع الاتهام دائماً للسائل في حال تأخّر الإجابة، لابدّ أن ينتهي بالمرء لاتهام ربّه في المقابل - والعياذ بالله -.

عندما تتحوّل الذهنيّة الاعنقادية إلى طاعة متبادلة بين العبد وربّه حيث أن الربّ لابدّ أن يطيعَ عبده في مقابل طاعة العبد له فهٰهنا مكمن الخلل.

الإيمان بأنّ الله عزّ وجل مهيمنٌ على كلّ شيء والرضا بقضائه والصبر على بلائه والاكتفاء بأن معرفته بالحال تغني عن السؤال والتعلّق به قلباً وجوارحَ في السرّاء والضرّاء، يشفي القلوب ويسكّن النفوس ويغيّر الأقدار لما فيه قرة العين وراحة البال.

(أَللّهُمَّ اجْعَلْني أَخْشاكَ كَأنّي أَراكَ، وَأَسْعِدْني بِتَقواكَ، وَلا تُشْقِني بِمَعْصِيَتِكَ، وَخِرْ لي في قَضائِكَ، وَبارِكْ لي في قَدَرِكَ، حَتّى لا أُحِبَّ تَعْجيلَ ما أَخَّرْتَ وَلا تَأخيرَ ما عَجَّلْتَ).

  ١٥ رمضان ١٤٤٧