شيرازيون ولكن!

باسم البحراني *


ليس في وسعك وأنت تقف أمام شخصيةٍ نذرت نفسها لخدمة أمتها إلا أن تقف أمامها وقفة تقدير واحترام، فكيف ما كانت هذه الشخصية هي شخصية المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي (قدس) الذي أفنى عمره في خدمة هذه الأمة، والارتقاء بحاضرها ومستقبلها، ألا تنحني أمامها إجلالاً وإكباراً؟! لما قدَّمته من عطاء كبير، لا يتنكَّر له إلا جاهلٌ أو معاند.

هذا العطاء الذي ينبغي دراسته والتنقيب فيه والغوص في متونه حتى نتعرف عليه أكثر، وللأسف الشديد، كلما جاء الحديث عن هذه الشخصية طالعنا البعض ببعض التعليقات التي لا تنمُّ إلا عن جهلٍ مستحكم أو أثارت لديه بعض النزعات العصبية والأحقاد المتجذِّرة، وكأنَّ الحديث عنها يمسَّ به أو بما يؤمن به من قناعات، أو ربما ينال أو ينتقص – لا سمح الله – من العلماء الأعلام الذين يجد فيهم الأهلية والرمزية هؤلاء الأعلام الذين نُكنُّ لهم كل التقدير والاحترام، فكما يقال: (إثبات الشيء لا ينفي ما عداه)، فمن الجهل أو التجاهل كلما أثير الحديث عن سماحة السيد رفع البعض عقيرته، معبراً عن استيائه وامتعاضه، وكال سيلاً من التعليقات والردود وأثار حرباً كلاميةً لها أول وليس لها آخر، فتارةً إن الشيرازي ليس له مشروع خاص، أو أنه فَشِل في مشروعه، أو أن ما قدّمه ليس ذي بالٍ، كل ذلك بلغةٍ إقصائيةٍ واضحة، ملؤها التعجرف والتعنت، ليتحول هذا البعض إلى ميزانٍ للرجال، يضع من يشاء حيث يشاء، دون أن يُطَالَب بكيف ولماذا؟؟ ودون دليل أو برهان!

أن تختلف مع الرجل أو يختلف معك، لا يعني ذلك أن تتنكر له أو أن تتجاهله، أو أن تنفي عنه أي إنجاز، وإن كان ما قدّمه لا يمكن لمنصفٍ أن يتجاوزه، أو أن يتغاضى عنه، هذا ما سجله اختلف معه ومن اتفق، أما أن يأتي البعض ويقول كل ذلك دون أن يحمِّل نفسه عناء البحث والتمحيص ويلقي الإفتراءات على عواهنها فهذا غير مقبول، نحن لسنا ممن يقدِّس أحداً إلى الحد الذي لا نقبل فيه بالنقد والحوار، هذا مما لم يربنا عليه سماحة السيد الشيرازي، وإنما كل نطالب به هو الدليل والبرهان.

أما أن نتعمّد الجهل أو أن نتعنَّت في آرائنا ووجهات نظرنا فهذا أمرٌ آخر، أنا هنا لستُ في معرض الرد على أحد وإنما لمثل هؤلاء أقول: عودوا إلى أنفسكم وضمائركم وانظروا إلى الرجل بعين الإنصاف، مستندين في ذلك إلى المعرفة والإطلاع على إنجازاته وعطائه العلمي والعملي.

هذا من جانب، ومن جانب آخر أتوجه بالحديث إلى من انتمى لهذه المدرسة وآمن بما تحمله من قيم سامية وأخلاقيات رفيعة وأفكار مبدعة وعصرية تواكب الراهن وتتماشى مع متطلباته في شتى المجالات التي أبدع فيها سماحته إن في المجال العلمي أو العملي، وما خلَّفه سماحته من تراث فكري وعملي متمثلاً في نتاجه الفكري والثقافي أو في مشاريعه العملية خير شاهدٍ على ذلك.

لهذه الفئة أقول: إن الانتماء يحمِّلنا مسؤولية ثقيلة، وأعباء كبيرة، ينبغي أن نتحملها وننهض بها، فإذا كان سماحته قد نجح في مهمته، فهذا يلقي علينا مسؤولية الاستمرار في تحمل الدور النهضوي والمشروع الحضاري الذي بنى أساسه وشيّد أركانه، فقد ينجح البعض في مشروعه ولكن من يخلفه في هذا المشروع يُفشله ويسيء أكثر مما يسيء إليه المتخلفون معه أو حتى المناوئون له، فحينما يحاول البعض ممن يجهر بانتمائه لهذه (المدرسة/المنهج) اختزالها في بعض الطقوس والشعائر، أو أن يضفي عليها صبغة التشدد بكل أشكالها، -ضارباً عرض الجدار بكل قيم الانفتاح والحرية واحترام وجهات النظر والسلم واللاعنف و...- تجاه من يختلف معنا أو نختلف معه، في وجهات النظر والرأي، أو يختلف معنا في المنهج والأسلوب، وهذا ما نجده وللأسف الشديد عند فئةٍ ممن يحاول احتكار تمثيل هذه المدرسة، ويثير معارك بين هذه الفئة أو تلك مستعيناً بكل الأدوات العنفية، إن على مستوى الكلمة أو على مستوى الفعل، هذه الحروب التي لا طائل منها سوى هدر الطاقات وتضييع الجهود والانشغال عما هو أهم، فليس هذا ما تربينا عليه في هذه المدرسة.

وفي المقابل أيضاً، هناك عتبٌ على هذه الفئة من حيث المحافظة على نتاجها الذي لم يعد ملكاً لأحد، وإنما هو مشاعٌ للجميع، وبالتالي فعلينا مسؤولية إظهار النقاط المضيئة والمشرقة من هذا المشروع، وفي الوقت الذي نعتب فيه على أولئك الذين يجهلون هذا المنهج وما يحتويه، لدينا عتبٌ على أبناء هذه المدرسة لأنهم لم يتحمَّلوا مسؤوليتهم تجاهها، فكم وجدنا من التلامذة الذين أبرزوا نتاج أستاذهم من خلال كتاباتهم ودراساتهم التي أضاءت الجوانب المبدعة من ذلك النتاج، ونحن بدورنا نتساءل أين هم الفقهاء الذين تخرجوا على يديه، لمَ لا يتحملون المسؤولية تجاه هذا الأستاذ؟! فكم سمعنا ونسمع بأن سماحة السيد قدَّم لنا نتاجاً فكرياً وعملياً مبدعاً ومجدداً حتى عُرِف بالمجدِّد، لمَ لا نجد دراساتٍ وبحوث متخصصة ومعمَّقة تظهر ذلك على السطح؟! فسماحته له دينٌ في أعناقنا ينبغي أن نردَّ له هذا الدين، فهذا مما يسيء لهذه المدرسة ويضيّع مكتسباتها. وفي ظني أن هذه الإساءة هي أشد من إساءة الآخرين لأنها تصدر من القريب العارف.

كاتب ( السعودية )