بين الرواية والاستحسان

شبكة مزن الثقافية محمد حسن يوسف

تشكّلت المنظومة الثقافية والدينية للمجتمعات الإسلامية على مدى عشرات الأعوام أو ربما القرون حاملة معها رواسب التراث لتصنع قالباً شبه موحَّدٍ للأجيال اللاحقة كمعيارِ صوابٍ تُقاس عليه مختلَفُ الأفكارِ والثقافات، مع أن هذه المنظومة غير ثابتة وإنما تمرُّ في سيرورة دائمة قد لا يلاحظها العوام لكنّها ليست خفيةً على الباحثين وذوي الاختصاص.

لا يكادُ يسلم مضمارٌ علميٌّ ومعرفيٌّ من بوائق الرواسب التراثية، من العلوم الدينية إلى علم اللغة والأدب وكذلك التاريخ، حيث أنّها تتركّز في النفوس البشرية وتحرف العين والعقل عن القراءة المتزنة والموضوعية متخذة درب الانحياز في الغالب تدفعها النرجسية الجماعية - إلا من رحم ربي-.

مع أنّي لستُ ضليعاً في التاريخ الإسلامي ومعرفتي به متوسطة - ولن أدّعي ما ليس لي - إلا أنّ لديّ ملحوظةً على القراءة الشيعية الشعبية للتاريخ - وخصوصاً ما يُقرأ على المنابر وما ينتشر على منصّات التواصل الاجتماعي - ينبغي لنا التوقّف عندها وتحمّل المسؤولية تجاهها. يميلُ الكثيرُ من الخطباء ورجال الدين إلى تغليب اسحساناتٍ وردت متأخرةً من بعض المثقّفين والباحثين على الروايات التاريخية المؤصّلة لأنها تتناغم مع الذوق العام الشيعي متجاوزين منهج البحث التاريخي أذكرُ بعضها.

1- إنكارُ البنوّة لبناتِ رسول الله صلى الله عليه وآله (زينب ورقية وأم كلثوم) الذي كان ولازال عليه إجماع المتقدّمين من أساطين المذهب كالكليني والصدوق والطوسي عوضاً عن المتأخرين والقفز على التاريخ والانصياع للآراء الشاذة التي لم تُبنَ على أساساتٍ متينة تلك التي تدّعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم تولد له ابنةٌ إلا فاطمة الزهراء عليها السلام.

مع أنّ من المتقدمين لم يقل بهذا القول إلا أبو القاسم عليُّ بن أحمد الكوفي في القرن الرابع الهجري وقد اتهمه الكثير من العلماء كالنجاشي والطوسي وابن المطهّر الحلي بالغلو وفساد العقيدة، ونقل رأيَهُ بعض من أتى بعده كابن شهرآشوب والسيد نعمة الله الجزائري دون تبنّيه. فما الذي جعل الكثير من خطباء الشيعة وعامّتهم يتبنّون هذا الرأي بعد أكثر من ألف عام.

2- تبنّي القول بأن عبدالله بن سبأ هو شخصية وهمية أسطورية اختلقها الكذّاب سيف بن عمر ونقلها ابن جرير الطبري في تاريخه ، مع أن هناك روايات شيعية في ذمّه صدرت عن الإمامين زين العابدين والصادق عليهما السلام. فأول من قال بأسطوريته الكاتب المصري طه حسين وتبعه السيد مرتضى العسكري ولاقت استحساناً لدى الشيعة لأنها أقصر الطرق في الرد على المخالفين متغافلين الروايات الواردة في التراث الشيعي.

3- إصرار الكثير على أن أبا بكر بن أبي قحافة لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غار ثور عند الهجرة مع أن مشهور علماء الشيعة - إلا ما شذّ ندر - يقولون بأنه كان مع النبي في الغار.

4- إضفاء هالة قدسية على مجمل من يدعون التشيّع من المتقدمين والمتأخرين وتناسي أنهم بشرٌ متباينون تتناهبهم الأهواء وتفتنهم الدنيا. حتى وجدنا الكثير ممن ألبس الفرزدق وأبا نواس رداء التقوى واعتبر ماورد في التاريخ عنهم ماهي إلا محضُ افتراءات للطعن فيهم لأنهم شيعة مع أن النسائي والشافعي أكثر شيعية منهما لو أنصف الحكم. لماذا لم نرَ هذه الافتراءات الكيدية تنال الكميت وأبا فراس الحمداني؟

نحن بحاجة لوقفة مسؤولة من الخطباء ورجال الدين والمثقفين والباحثين والكتّاب لرفع مستوى الوعي لدى المجتمع وتشجيع البحث المنهجي والانفتاح على الآراء المختلفة لعلّنا نسمو بأمتنا.

وصدّقوني، المذهب الذي صمد أربعة عشر قرناً مواجهاً أعتى التحديات لن يتأثّر بهذه الهوامش.

           25/1/2026